جلال الدين السيوطي
44
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
بمكّة ، وقد كان يؤخذ منهم شيء كثير ، ومن عجز عن أدائه حبس ، فربّما فاته الوقوف بعرفة ، وعوّض أميرها ثمال إقطاعا بديار مصر ، يحمل إليه منه في كلّ سنة ثمانية آلاف أردبّ غلّة ، لتكون عونا له ولأتباعه ، وقرّر للمجاورين أيضا غلّات تحمل إليهم وصلات ، فرحمة اللّه عليه في سائر الأوقات ، فلقد كان إماما عادلا ، وسلطانا كاملا لم بل مصر بعد الصّحابة مثله ، لا قبله ولا بعده ! وقد كان الخليفة المستضيء أرسل إليه في سنة أربع وسبعين خلعا سنيّة جدّا ، وزاد في ألقابه « معزّ أمير المؤمنين » . ثمّ لمّا ولي الخليفة الناصر في سنة ستّ وسبعين أرسل إليه خلعة الاستمرار ، ثم أرسل إليه في سنة اثنتين وثمانين يعاتبه في تلقيبه بالملك الناصر ، مع أنّه لقب أمير المؤمنين ، فأرسل يعتذر إليه بأنّ ذلك كان من أيّام الخليفة المستضيء ، وأنّه إن لقّبه أمير المؤمنين بلقب ، فهو لا يعدل عنه ، وتأدّب مع الخليفة غاية الأدب . قال العماد : وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون ، فاتّفق أنّ بعضهم أخذ صبيّا رضيعا من مهده ابن ثلاثة أشهر ، فوجدت عليه أمّه وجدا شديدا ، واشتكت إلى ملوكهم ؛ فقالوا لها : إنّ سلطان المسلمين رحيم القلب ، فاذهبي إليه ، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت ، وشكت أمر ولدها ، فرقّ لها رقّة شديدة ، ودمعت عيناه ، فأمر بإحضار ولدها ، فإذا هو بيع في السوق ، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري ، ولم يزل واقفا حتّى جيء بالغلام ، فدفعه إلى أمّه ، وحملها على فرس إلى قومها مكرّمة . واستمرّ السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة ؛ من مثابرة الجهاد للكفّار ، ونشر العدل ، وإبطال المكوس « 1 » والمظالم ، وإجراء البرّ والمعروف إلى أن أصيب به المسلمون ، وانتقل بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى ليلة الأربعاء سادس « 2 » عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، وله من العمر سبع وخمسون سنة . وعمل الشعراء فيه مراثي كثيرة ، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب ، مائتان وثلاثون بيتا أوّلها : شمل الهدى والملك عمّ شتاته * والدّهر ساء وأقلعت حسناته بالله أين النّاصر الملك الّذي * للّه خالصة صفت نيّاته ؟ أين الّذي ما زال سلطانا لنا * يرجى نداه وتتّقى سطواته ؟
--> ( 1 ) انظر الخطط المقريزية : 2 / 233 . ( 2 ) في الخطط المقريزية : 2 / 235 : سابع عشري .